أبي حيان التوحيدي

25

الإمتاع والمؤانسة

وأخيرا رجحت أنه هو الوزير أبو عبد اللّه الحسين بن أحمد بن سعدان وزير صمصام الدولة البويهي ، وقد ورد اسمه هكذا في كل ما راجعت من كتب التاريخ أمثال : ( تجارب الأمم ) وذيله ( وابن الأثير ) ، ولم يلقبه أحد منهم ( بالعارض ) ، وكلمة ( العارض ) كما في كتاب ( الأنساب للسمعاني ) معناها : « من يعرف العسكر ويحفظ أرزاقهم ، ويوصلها إليهم ويعرضهم على الملك إذا احتيج إلى ذلك » فالظاهر أن الوزير أبا عبد اللّه لقّب هذا اللقب إما لأنه تولى هذا العمل قبل أن يتولى الوزارة ، أو كان هذا لقبا لأسرته ، ودليلي على ذلك أمور : 1 - أنه ورد في صدر هذا الكتاب أن أبا الوفاء ذكر لأبي حيان : أنك لما انكفأت من الرّي إلى بغداد في آخر سنة 370 مغيظا من ابن عباد ، وعدتك صلاح حالك ، وأن أوصلك إلى الأستاذ أبي عبد اللّه العارض ، ثم جاء وصف أبي عبد اللّه هذا بالوزير . ونحن إذا رجعنا إلى من استوزر فيما بين سنة 370 وسنة 375 لم نجد وزيرا يكنى بأبي عبد اللّه إلا الوزير أبا عبد اللّه الحسين بن أحمد بن سعدان ، فقد استوزره صمصام الدولة سنة 373 وقتله سنة 375 . 2 - جاء في أثناء كتاب « الإمتاع والمؤانسة » أن أبا حيان قص على الوزير أنه سمع رجلا على جسر بغداد يقول وقد رأى ابن بقية الوزير المشهور مصلوبا بعد أن مات عضد الدولة : « سبحان اللّه ! عضد الدولة تحت الأرض وابن بقية فوق الأرض » ، فلما سمع الوزير ذلك قال : استأذنت الملك في دفن ابن بقية فدفن . وقد ذكر المؤرخون أن ابن بقية دفن في عهد صمصام الدولة ، ولم يكن لصمصام الدولة وزير يكنى بأبي عبد اللّه غير ابن سعدان . 3 - ومما يستأنس به أن أبا حيان كان متصلا بالوزير ابن سعدان وألف له كتاب « الصداقة والصديق » وقد ذكر في أوائله « أن السبب كان في إنشاء هذه الرسالة أني ذكرت شيئا منها لزيد بن رفاعة أبي الخير ، فنماه إلى ابن سعدان سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة قبل تحمله أعباء الدولة وتدبيره أمر الوزارة حين كانت الأشغال خفيفة ، والأحوال على أذلالها جارية ، فقال لي ابن سعدان : قد قال لي زيد عنك كذا وكذا . قلت : قد كان ذلك . قال : فدوّن هذا الكلام وصله بصلاته . . . فجمعت ما في هذه الرسالة » . فاتصال أبي حيان بابن سعدان وتأليفه له كتاب « الصداقة والصديق » يرجح الظن بأنه هو أبو عبد اللّه العارض . نعم كان من رجال صمصام الدولة من اسمه أبو الحسن بن عمارة العارض استخدمه صمصام الدولة في السفارة بينه وبين أعدائه أحيانا ، ولكن يبعد أن يكون هو الذي ألف له كتاب الإمتاع والمؤانسة - لأن كنيته أبو الحسن والذي ألّف له الكتاب أبو عبد اللّه - ولأن أبا الحسن لم يكن وزيرا لصمصام الدولة . وفي الكتاب النص في مواضع متعددة على أنه ألفه لوزير .